محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
52
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
السبيل إلى معرفة المكي والمدني من القرآن الكريم يقول القاضي أبو بكر في كتابه الانتصار : « لم يكن من النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك قول ، ولا ورد عنه أنه قال : اعلموا أن قدر ما نزل بمكة كذا وبالمدينة كذا ، وفصّله لهم . ولو كان ذلك منه لظهر وانتشر ، وإنما لم يفعله لأنه لم يؤمر به ، ولم يجعل اللّه علم ذلك من فرائض الأمة ، وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ ليعرف الحكم الذي تضمنهما ، فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول بعينه ، وقوله هذا هو الأول المكي وهذا هو الآخر المدني . وكذلك الصحابة والتابعون من بعدهم لما لم يعتبروا أن من فرائض الدين تفصيل جميع المكي والمدني مما لا يسوغ الجهل به ، لم تتوفر الدواعي على إخبارهم به ومواصلة ذكره على أسماعهم ، وأخذهم بمعرفته . وإذا كان كذلك ساغ أن يختلف في بعض القرآن هل هو مكي أو مدني ، وأن يعملوا في القول بذلك ضربا من الرأي والاجتهاد ، وحينئذ فلم يلزم النقل عنهم ذكر المكي والمدني ، ولم يجب على من دخل في الإسلام بعد الهجرة أن يعرف كل آية أنزلت قبل إسلامه : مكية أو مدنية ، فيجوز أن يقف في ذلك أو يغلب على ظنه أحد الأمرين وإذا كان كذلك بطل ما توهموه من وجوب نقل هذا أو شهرته في الناس ، ولزوم العلم به لهم ، ووجوب ارتفاع الخلاف فيه » . ( البرهان ، ج 1 ، ص 192 ) . يستخلص من هذا الكلام ثلاثة أمور : 1 ) أن معرفة المكي والمدني لم تكن مما علّمه الرسول لصحابته ، أي أن هذه المسألة لم يعرف عن الرسول صلوات اللّه عليه تحديد لها . 2 ) أن معرفة المكي والمدني - على هذا - موضوع اجتهادي ، يجوز لعلماء الأمة أن يحكموا فيه وفق اجتهادهم . 3 ) أن معرفة المكي والمدني ليست واجبة على كل مسلم ، لكن لا بد من معرفتها لبعض علماء الأمة ، حتى يعرفوا الناسخ من المنسوخ . فهي إذن مسألة اجتهادية تعتبر الإحاطة بها فرض كفاية ، لا فرض عين .